عبد الصمد عراك

بتأمل التركيبة المجتمعية العربية عبر التاريخ ستجد أنها كانت متقاربة الملامح في جل البلدان، خصوصا ونحن نتحدث عن التوازن الاجتماعي و وسائل ضمانه، فمنذ البعثة النبوية كان الكل متفقا على الأدوار المجتمعية و كان العالم الإسلامي يعرف توازنا مجتمعيا لا مثيل له من خلال تثبيت أواصر الترابط الأسري و معالم التنشئة الاجتماعية و المتداخلين فيها، من أسرة عمادها أم مربية و مجتمع قوامه رجال يضمنون أمنه و يهيئون ظروف النشأة و التنشئة الاجتماعية و المجتمعية، كل هذا في إطار تطبيق غير مشروط لتعاليم الدين الحنيف من خلال الدستور و شارحه و مبينه ( الكتاب و السنة ).

بعد هذه الفترة انطلقت مجتمعاتنا العربية نحو هاوية مجتمعية غريبة من خلال نفض عباءة الاستقرار و البحث  الممنهج عن شعارات تزعزع ثبات بعض المجتمعات العربية و الإسلامية، حتى صارت مجتمعاتنا مهلهلة و متفككة كما نراها اليوم بفعل نسب الطلاق المرتفعة و معدلات الجريمة الكبيرة و التحرش الجنسي و الاغتصاب و الفساد و و و و …

كل هذا انطلق ( في جرد كرونولوجي سريع ) منذ بداية ما يسمى النهضة العربية و بروز الحركات التحررية و منها الحركات التحررية النسوية ( بالنسبة لليساريين و العلمانيين ) و النسائية ( بالنسبة لحركات المرجعية الإسلامية )، هذا التقسيم الذي تبناه عديد المحللين و ذلك انطلاقا من الترجمة و الاستعمالات الغربية  لمصطلحي (féministe  و  féminine)، هنا ظهرت تلك الشعارات الرنانة التي نادت بحق المرأة في التعليم و العمل و الترشح إلى غير ذلك من الأمور التي تطورت بعد ذلك لتصبح في وقتنا الراهن  حق في اللباس على الموضة و إظهار الجمال و الحق في المناصفة في الإرث و الحق في التطليق كما تشاء المرأة و غير ذلك.

المرحلة الثانية تميزت بتحقيق المطالب الأولى لهذه الحركات و إعمالها، ليرتفع سقف المطالب من ما هو اجتماعي إلى ما هو سياسي من خلال المطالبة بحق الترشح و تقلد المناصب و ترأس الهيئات وغير ذلك…، الملاحظ هو أن أغلب الحركات المطالبة خلال هذه الفترة كانت من الحركات اليسارية والليبرالية في حين لم تبرز الحركات الإسلامية بشكل كبير كمطالب بحقوق سياسية نسائية، و على هذا الأساس قسم المحللون مطالب الحركات النسائية العربية بين يسارية علمانية تطمح في السلطة و تبوإ المناصب و أخرى إسلامية تركز مطالبها في المساواة الاجتماعية ( التعليم والشغل … ).

المرحلة الثالثة يمكن أن نلخصها في إمساك الدول بزمام هذه المطالب ذلك من خلال سن قوانين تراعي أو ربما تتبنى هذه المطالب أو حتى تدافع عنها، قوانين الأسرة و تنظيمات الزواج و الطلاق و قوانين العمل كلها كانت كفيلة بنيل المطالبات المتحررات المناضلات ما كن يصبون إليه، كل هذا لم يكن إلا تقليدا و تبعية عمياء لنماذج غربية رأت فيها نساء العرب النموذج الذي يجب الاقتداء به و السير كالقطيع وراءه متناسيات ربما ( أو قاصدات ) الخصوصية الإسلامية لمجتمعاتنا و لنسائنا بالخصوص و ضاربات عرض الحائط كل الأوامر الربانية التي سأتطرق لها بعد إتمام آخر المراحل.

المرحلة الرابعة أو مرحلة العولمة التي لازلنا نعيش تحت كنفها لليوم، و خلالها صارت الحركات النسائية تسمى هيئات أو منظمات حقوق المرأة هذه الأخيرة استقلت عن التبعية للحكومات و صارت قائمة الذات مستقلة تسير مطالبها بنفسها و تدافع عن نفسها بنفسها و تقتحم كل المجالات بدون أي خوف أو تفكير في انعكاسات النتائج خصوصا على مستوى التماسك و الترابط الاجتماعي و طريقة نشوء الجيل القادم في ظل هذه المتغيرات.

فأصبحت المرأة تلبس ما تشاء، تخرج وقتما تشاء و تدخل وقتما تريد لا تهتم بنظرة المجتمع، بأوامر أولي الأمر، بل وحتى أوامر الله باعتبارهن مسلمات، معنيات بأمر الأمة و قوتها و صلابتها المجتمعية التي تعتبرن أساسها بل وقاعدتها.

الله عز وجل يقول في كتابه الكريم : يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33).

الآية الكريمة أتت بصيغة الأمر و الأمر في القرآن يفيد الوجوب ( مالم يصرفه صارف )، لذلك فكل حرف في الآية الكريمة هو واجب تطبيقه ( هذا بالنسبة لم يقول أنه مسلم مؤمن بالله و كتبه ورسله…) و كل تجاوز لهذه الأوامر هو ضرب في القرآن و أوامره، أما حكمة هذه الأوامر و تطبيقها فقد ظهرت ربما و تجلت للعيان كما سردت من قبل حول استفحال الطلاق والجريمة والفساد والزنا….

من الناس من سيقول كما قيل لي من قبل أن ما جاء في الآيات موجه فقط لزوجات النبي وهذا تفسير خاطئ مرده قصر فهم و تحليل تم الوقوف فيه على عتبة الكلمة بعيدا عن المعاني والحكم أو ربما هو تبرير يقنع به من تبناه نفسه و غيره بموقفه هنا أحيل أصحاب هذا الرأي على عديد التفاسير لعديد العلماء المفسرين الذين رأوا أن كلام الآيات موجه لعموم انطلاقا من تحليل المعنى لا السياق وسبب النزول ( هذا برغم وجود قلة أخرى خصت الآية بزوجات النبي )  أنا لم أجد دليلا على طرحي أبلغ من الآية الكريمة : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ  ( الأحزاب )، إذا كانت الآيات وجهت فقط لنساء البني و باقي نساء المسلمين غير معنيات باتباع أوامرها، لماذا يجعل الله نساء النبي أمهات لنا ؟ ألا تتبع الأم و تكون قدوة في الشكل و الفعل و التصرفات و التقريرات ؟، أليس هذا سببا كافيا كي تكون نساءنا كما كانت نساء النبي وصحابته و أتباعه من بعده ؟ كل هذا يجعل الآية بلا شك موجهة لعموم نساء الإسلام اللواتي يؤمن بالله و القرآن و يبغين تطبيق أوامره.

أشير إلى أني لا أحث على ملازمة المرأة للبيت فقط و نفي شخصيتها بل على العكس أحث على تأثير المرأة في المجتمع و خدمة الدين وذلك بالطريقة الإسلامية الصرفة التي تبتث عن النبي و عن أزواجه فالمرأة رخص لها بالخروج للضرورة و قضاء المآرب غير أن هذا الترخيص حفته شروط و تعليمات إن على مستوى الشكل و الغرض، ومن ذلك عدم التبرج وإبداء الزينة و الذهاب للأغراض والأعمال المحرمة، و المرأة إذا كانت معيلة اشتغلت مجالات تضمن لها الكرامة و لا تؤدي بها إلى المعصية و من ذلك التعليم و الصحة و غيرها… وكثيرة هي نماذج النسوة اللاتي غيرن مجرى الدول و التاريخ من بيوتهن و دونما حاجة لتبرج أو اعتلاء منصات و صياح من وراء أبواق و منهن : أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، رابعة العدوية، فاطمة الفهرية، زينب الغزالي , زينب النفزاوية…

ما نراه اليوم في مجتمعاتنا من تبرج و عري و زينة و اختفاء وراء الدين و الحجاب هو ما أوصلنا لما نحن عليه اليوم، غدونا نرى النسوة في الشوارع روائحن العطرة تفوح و لباسهم المخالف والملتصق بأجسادهن منتشر بل و حتى تبجحهن و تمردهن على ما أصبحوا يسمونه تقاليد أو تقليدانية، دون إغفال دور الرجال أهل العصمة وأولياء الأمور الذين انساقوا وراء التعميم و أصبحوا الآن يرون مخالفة من هن تحت مسؤولياتهم ولا ينصحون ولا ينهون ولا  يحركون  أي ساكن لأن كل هذا صار عاديا و تطبعنا بطباع الغرب و صرنا بلا غيرة كما الغرب.

هذه الأمور نتيجة مخالفة لأوامر الخالق و لحكم و أهداف الأوامر و لهذا صارت مجتمعاتنا هكذا و لم يعد أحد سعيدا و يعيش استقرارا نفسيا وأصبح الكل تائها في مجتمع متناقض بين الغطاء الإسلامي و ما يفعل خلف هذا الغطاء من أمور تخالفه.

ملحوظة : المقال يعبر عن رأي صاحبه