الإشاعة.. تجارة الوهم وسلاح الضعفاء
✍️ هند بومديان
لم تعد الإشاعة مجرّد خبر عابر يتناقله الناس في الظلام، بل تحوّلت إلى صناعة كاملة الأركان، يقودها محترفون في التلاعب بالعقول، يتغذّون على الفضائح، ويقتاتون من سمعة الآخرين. اليوم، صارت الإشاعة سلعة تُباع وتُشترى، ومصدر رزقٍ لمن لا يملكون من القيم سوى الخيانة، ومن الأخلاق سوى التهشيم.
في زمنٍ طغت فيه السرعة على الدقّة، أصبح الناس يستهلكون الأخبار كما يستهلكون الوجبات السريعة، دون تمحيص أو تدقيق. وكلما كانت الإشاعة أكثر إثارة، كانت أرباحها أكبر. من هنا، وجد تجّار الوهم فرصتهم الذهبية: يكذبون، يلفّقون، يدمّرون حياة أشخاص أبرياء، مقابل بعض الإعجابات والمشاهدات، أو حفنة من الأموال التي لا تساوي شيئًا أمام كرامة إنسان.
الخطر لا يكمن فقط في ناشر الإشاعة، بل في جمهورٍ يصفّق، يشارك، ويضيف وقودًا إلى نار الكذب. هؤلاء، دون أن يشعروا، يتحوّلون إلى أدوات في جريمة أخلاقية، تُرتكب كل يوم في حقّ الحقيقة.
الإشاعة ليست مجرّد كلمات، بل هي خنجر مسموم، يطعن الصدق، ويشوّه السمعة، ويترك جراحًا لا تندمل. كم من شخص فقد عمله، كم من عائلة انهارت، كم من حياة تحطّمت بسبب جملة ملفّقة خرجت من فمٍ خبيث أو من لوحة مفاتيح مرتزقة.
الكرامة ليست موضوعًا للتفاوض، والصدق ليس بضاعة للترويج. فليتذكّر كل من يقتات من الكذب أن المال يزول، لكن العار يبقى، وأن التاريخ لا يرحم من باعوا ضمائرهم بثمن بخس.
اليوم، نحن بحاجة إلى ثورة ضد ثقافة التشهير. إلى أن نعيد للقيم اعتبارها، ونرفع راية الحقيقة في وجه هذه الحرب القذرة. لأن الإشاعة ليست حرية تعبير، بل جريمة أخلاقية تُسجَّل في سجل كل من ساهم في نشرها.
تعليقات ( 0 )