” دهاليز الأحد: أورانوس و العاشر من فبراير”

22 يناير 2021 - 10:32 م

 

عبدالرحيم الشافعي

” دهاليز الأحد: أورانوس و العاشر من فبراير”

” تمت عفريت صغير من التمرد في داخلي يعشق نقط الجمال في جسدك، كانت تلك الموجودة على اللوحة التشكيلية التي أهذيتك إياها في عيد ميلادك إحداها ، أما الأخرى سيكشفها العفريت مع الزمن…”
عزيزتي أورانوس
يؤسفني أن أخبرك أن الاتصال الروحي الذي كان بين العاشر و الحادي عشر من فبراير قد انقطع، ظننت أنني أستطيع الحفاظ عليه، و حاولت حمايته، على الأقل من أجل ميلادي وسخريتي من نفسي، في احتفالي بميلاده و تجاهل يوم ولادتي، ولكن الحادي عشر قد ذهب الى الأبد، فلم يعد يجيب على رسائلي، ولم يستجب يوما لتواصلي، و لم يعترف بوجودي كنجم يحيط بكوكبه، وأنا لا أعلم إن كان بمقدوري جلبه كنجم يحوم حولي…
هذه القصة استغرقت وقتا طويلا، و لطالما تغيرت المشاعر فيما كان القلب يكسر و ينكس، أشياء كثيرة أضيفت و في غضون الوقت الذي انقطع الاتصال بيني و بينها…
كانت قد تزوجت…و كان شهر عسلها..
انفطر قلبي مرتان..
زارني صديقي مساء يوم الخميس ، فمدني ببريد الكتروني لأستاذة في أحد معاهد السينما، للحصول على معلومات و كتب، عن هذا التخصص كان هذا سنة 2014…
كنت أقوم بإدارة محل للأنترنيت و الاجهزة الإلكترونية، كنت أقوم بهذا العمل كتكفير، عن ذنب فشلي في الحصول على شهادة الباكالوريا،
كنت حينها أعيش حالة نفسية مزرية…
كان عاما قاسيا..
هذا صديقي أيام الثانوي، كان يعرف شغفي العنيف بالسينما، لذلك عندما ألتحق بالمعهد، زارني من أجل أن يخفف ألمي، فأخبرني أن أستاذته سيدة لطيفة ويمكنها مساعدي…
في ماذا ستساعدني ؟
مدني بالبريد، كان هذا الأخير يشجع في النهاية حرية القلب وتلك المسافة الخفيفة من الاهتمامات البشرية التي حفظتني دوما من المرارة والامتعاض. مند إقامتي في كاريان عشوائي و أنا مدرك أن هذا الواقع تلزمه الشجاعة لنسج الخيال، و الحلم ، ويلزمه الهروب…
كان هروبي ماكرا !
و الواقع أنني استمتعت به دونما عوائق، فأنا كشاب طردت من المدرسة الثانوية وتعرضت لانقلاب عائلي على مستوى الدعم النفسي و المادي، وكانسان لم تكن أهوائي و شغفي أبدا ضد، بل هي طالما خاطبت ما هو أفضل مني و أكبر…
كانت أكبر مني !!
كانت شغفي!
مرحبا سيدتي
مرحبا
اسمي العاشر من فبراير، كنت أود أن أطلب منكم كتب أومعلومات حول السينما، كان حلمي أن أصبح مخرجا سينمائيا، لم أوفق في اجتياز امتحانات الباكالوريا، وطردت من الثانوي، و أريد دراسة هذا المجال لوحدي، هل يمكنكم مساعدتي ؟
مرحبا.
تبا لي !
نسيت أن أن صناع السينما يقولون مرحبا للجميع و لكن لا يساعدون أحدا…
لم أرى وجه هذه السيدة، ولم أعرف عنها شيئا سوى اسمها الموسوم على البريد الالكتروني، و لم يخطر ببالي لقاءها ولا التعرف عليها عن قرب…كان كل ما في الأمر، بصيص أمل لحلمي المفقود، تحدثت عن نفسي كثيرا و لكن هي لا…!
كان أمل بلون الغمام !!!
كانت سيدة في عقدها الثالث مثقفة، قوية الشخصية، بالغة الجاذبية رأيتها صدفة في جامعة الحسن الثاني عندما كنت متمردا على ورشات المسرح والسينما التي تقام للجميع، كان لدي أصدقاء هناك، و كانت لدينا صديقة مشتركة، نطقت اسمها بالصدفة، فسألتها عنها :
أهي أورانوس ؟ أليس هذا هو عنوان بريدها الالكتروني ؟
قالت: هي نفسها !!
نظرت الي نظرة خفيفة !
ألتزمت الصمت…
عندما عدت للعمل فتحت حاسوبي لأخبر السيدة أنني نفس الشخص الذي رأته هناك …
اللعنة, وجدت نفسي محظورا !
نسيت الأمر…
مرت أيام فالتقيت صديقتنا المشتركة في الجامعة فسألتها عن السبب، فلم تعلم ؟؟
إذا كنت نفسي لا أعلم…!!!
ظنت السيدة أنني أحد تلامذتها الذين يمزحون معها الى أن ثبت العكس …
كنت عاشقا حقيقيا…
رفع الحضر واستمر الحديث…
اللعنة !
تمت شيء حصل…
شد شد فشد فكانت الالفة شديدة السرعة…
كان بين أورانوس و العاشر من فبراير…الحادي عشر من فبراير…
كان يوم ميلادها !
و ميلادي قبل يوم!!
أورانوس كوكبنا، و بين أورانوس و العاشر من فبراير أحدا عشر خطوة…
تلك الخطوات راقت لي…

نسيت حلم السينما، فدق قلبي دق، وانشق فصارت أورانوس معبر الشقين…
معبر لتسرب الألم و معبر مقفل الأبواب…
قلت لها أحبك.
قالت أكبر منك …
قلت لا يهم .
قالت من أنت ؟
اختفت وعادت…!!
قلت لها اشتقت.
قالت تزوجت…!!

هل تعلم يا أورانوس يحدث أحيانا عندما تقترف زلة لسان، لا تريد أن تصححها، لأنك تحاول أن تتظاهر أن ما قلته هو ما عنيته، و يصادف غالبا أن تكتشف أن تمة بعض الحقيقة في خطئك…
كان زواجا خاطئا…
و كان حبي ملاذا…
ترى على سبيل المثال عندما تسقط شيئا عن اسم صالح لأحدهم، يمكن أن يقال أنك تقلل من شأن ذلك الاسم…
من أنت يا أنا ؟
بذات الطريقة تقريبا…
نسبت إلي أشياء عظيمة لم أفعلها قط !!!
تهمة…
كانت مسامحتي لها ، حبة مهدئ وحيدة في حقل الألم ذاك…
لم أكن طامعا، ولا خائنا، و لا كاذبا…
كنت محبا ومهتما ومخلصا…
سحقا !
فالنساء لا تحب الأوفياء من الرجال…
يحبون العذاب…
يحبون الركض…
يعشقون الغموض والتجاهل…
كان التجاهل قاتلا…
و أنا أتأمل العلاقة الغريبة التي أقحمت نفسي فيها، عبر ذلك البريد الالكتروني، و لقاء تلك السيدة، بدأت أرى أنها طريقة رائعة للهروب من واقع الحياة داخل كاريان من العشوائيات ، كانت لذي رغبة بالتخلي و التواري و الفرار من الحطام الذي صنعته بحياتي، لو سألني أحدهم أن أكثر النجوم عشقا لي في كوكب أورانوس…
كان الألم و التجاهل و النكران و الفرار..
كان الفرار مؤلما يوم زواجك…
و الحق أن تلك السيدة في عقدها الثالث التي رفضتني لأنها تكبرني سنا، و تفوقني رتبة اجتماعية و ثقافية، لا تفارق ذهني، لم ألتقي بها كثيرا، و لم أتعرف عليها عن قرب، كان كل شيء تخيليا, كانت قصيرة الحجم و مقاص رجليها 36، كانت ملامح وجها ذات حروف بارزة تتخللها نقط الجمال تلك، كانت يديها صغيرتين وناعمتين…
تلك اليدين أطعمتني السمك بعد إزالة الأشواك منه…
مسكة اليد تلك …
كانت دافئتين…
وكان الخاتم مضيئا بين الأصابع ..
كان مقاسي مناسبا…
تمت عفريت صغير من التمرد في داخلي يعشق نقط الجمال في جسدك، كانت تلك الموجودة على اللوحة التشكيلية التي أهذيتك إياها في يوم ميلادك إحداها ، أما الأخرى سيكشفها العفريت مع الزمن…
كانت تلك القبلة في اليد…
كان العناق بعد الفراق..
كان لقاء وحيدا…
كان حبي يتيما…

 

.

مشاركة فيسبوك تويتر واتساب
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك رد