حسيك يوسف
لم يعد مقبولا الصمت عن ما يجري داخل سوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاء، أكبر مرفق تجاري يضخ الملايين يومياً في ميزانية العاصمة الاقتصادية. أرقام متضاربة، قرارات متناقضة، وغياب تام للشفافية يطرح سؤالاً حارقاً: من يحمي إدارة السوق ولماذا لا يطبق القانون؟
كيف يُعقل أن تُسجل واجبات الكراء محل 18/10 في ورقة الحضور بمبلغ 251.921.68 درهم، ليظهر في قرار الإخلاء رقم آخر يبلغ 213,007,84 درهم؟ ومن المسؤول عن هذا التباين الفاضح في أرقام يُفترض أن تكون محاسبية دقيقة لا تحتمل الاجتهاد؟
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فمستحقات الرسوم على المبيعات قُدرت مرة بـ 44.959,76 درهم، ومرة أخرى بـ 31.875,86 درهم أي من الرقمين صحيح؟ وأين ذهبت الملايين المتبقية؟
أما بخصوص التعشير، فقد دوِّنت مبالغ في حدود 99.963.31 درهم، قبل أن تُلغى في السجلات الموالية وكأنها لم تكن. فهل المال العام يُسجل في دفاتر السوق ليُمحى بجرة قلم؟
الأخطر من كل هذا ما أثير حول التلاعب في الطوابع واستعمال أختام مزورة لاب سعيد بوسمارة المتوفي رقم المحل 10/18 لاستخلاص مبالغ التعشير. نحن أمام جريمة مكتملة الأركان، ورغم ذلك، لم يفتح أي تحقيق ولم تتحرك أي جهة مسؤولة.
فهل ننتظر وفاة المواطن والتاجر سعيد بوسمارة المضرب عن الطعام لاكثر من 20 يوم حتى تتحرك العدالة؟ وهل أصبح المواطن المغربي أرخص من الطابع المزور؟
إننا أمام ملف واضح المعالم: أرقام متضاربة، شبهة تلاعبات مالية، غياب الشفافية، وتواطؤ مريب بالصمت. لذلك نوجه نداءً مباشراً إلى النيابة العامة و المجلس الأعلى للحسابات: افتحوا التحقيق فوراً، واطلبوا افتحاصاً شاملاً لسجلات السوق، فالملايين لا تضيع بالخطأ بل تُهدر بالتواطؤ.
لا أحد فوق القانون. وإذا كانت إدارة سوق الجملة للخضر والفواكه بريئة، فلتُدلي بالأرقام الرسمية المؤرشفة وتفتح دفاترها للخبرة المحاسباتية. غير ذلك، فإن استمرار الصمت يعني أن المال العام ينهب في واضحة النهار، والمسؤولية ثابتة على كل من لم يطبق القانون.
الكلمة الأخيرة للتاجر سعيد بوسمارة
هذا هو آخر كلام للتاجر سعيد بوسمارة، وهو في إضرابه المفتوح عن الطعام، يردد بصوت متعب أنه لا يطلب سوى الحقيقة:
يريد فقط الاطلاع على رقم معاملات محله التجاري رقم 10/18 على الحاسوب، وبالتدقيق، لمعرفة مكمن الخلل .
سعيد يؤكد أن ما يقع له اليوم ليس إلا تصفية حسابات، لأنه تجرأ على الكلام والدفاع عن المال العام، في وقتٍ اختار فيه كثيرون الصمت. واليوم، التعب والإرهاق بدأ يأخذ من صحته، لكنه يصر على أن معركته ليست شخصية، بل معركة ضد الفساد والمحاسبة الانتقائية.
وإن مات سعيد بوسمارة، فلتعلموا أن المسؤولية تقع على الجهات الرسمية التي لم تتدخل لإنقاذ مواطن مغربي يطالب فقط بإنصافه، وبفتح تحقيق شفاف حول ملف مفبرك هدفه الوحيد الضغط عليه لاستيلاء على محله التجاري.
رسالة سعيد الأخيرة واضحة:
يريد تسهيلات عادلة في الأداء كما ينص القانون.
يريد محاسبة المدير الذي أغلق محله التجاري وعرضه للضرر بدون أي قرار قضائي.
يريد أن يُعامل كمواطن في دولة الحق والقانون، لا كضحية في سوق تُباع فيه الذمم قبل الخضر والفواكه.
سعيد بوسمارة يموت ببطء لأنه اختار أن يقول الحقيقة.
تعليقات ( 0 )