هند بومديان
أجنة في القمامة.. جريمة مجتمع يُغلق الأبواب ويفتح المآسي.
في كل مرة يُعثر فيها على جثة جنين في حاوية للقمامة أو في زاوية مظلمة، تهتز المشاعر بين غضب، اشمئزاز، وحزن. لكنه حزن مؤقت، سرعان ما يُنسى ليعود المشهد من جديد، وكأن المجتمع لم يتعلم شيئًا، وكأن الضحايا مجرد أرقام في سجلات الفضائح المخفية. إنها جريمة تتكرر، ليست فقط بحق الأجنة الذين يُسلبون حق الحياة، ولكن بحق الأمهات اللواتي يجدن أنفسهن بين المطرقة والسندان، وبحق مجتمعٍ يدّعي الفضيلة لكنه يغرق في النفاق.
عندما يصبح الحمل لعنة
الولادة بلا زواج ليست ظاهرة حديثة، لكنها أصبحت أكثر وضوحًا مع التحولات الاجتماعية، والانفتاح غير المتوازن، والازدواجية في المعايير الأخلاقية. فتاة تُغرَّر بها، أو تقع في الحب، أو حتى تُستغل، لتجد نفسها أمام واقع قاسٍ لا يرحمها، ولا يمنحها أي فرصة للخلاص. الأسرة تتبرأ، القانون يُدين، والناس ينهشون سمعتها، بينما الطرف الآخر، الرجل، ينجو في الغالب بلا محاسبة، كأن الجنين نبت من العدم.
الجنين بين الحياة والموت.. والمجتمع بين القسوة والنفاق
في مجتمع يرفض الإجهاض ويجرّمه، ويرفض الاعتراف بالأطفال خارج الزواج، ويرفض احتضان الأمهات العازبات، أين يمكن أن تذهب فتاة وجدت نفسها حاملًا دون سند؟ بين خيار الإجهاض السري الذي قد يودي بحياتها، أو الولادة في السر مع احتمال قتل المولود، أو التخلي عنه في أقسى الظروف، تجد نفسها في مأزق لا حل له. هنا، يُلقى الجنين في القمامة، ليس كفعل وحشي فقط، بل كرسالة يائسة لمجتمع صنع هذه المأساة ثم أدار ظهره.
من الجاني الحقيقي؟
الفتاة التي خضعت للضعف؟ الشاب الذي تنصل من المسؤولية؟ الأسرة التي نبذتها؟ المجتمع الذي يوزع الأحكام بلا رحمة؟ أم القانون الذي يغلق كل أبواب النجاة؟ الحقيقة أن الكل مذنب، ولكن الأكثر جرمًا هو النظام الأخلاقي والاجتماعي الذي يصرّ على دفن رأسه في الرمال، بدلًا من مواجهة المشكلة بحلول واقعية وإنسانية.
هل من مخرج؟
الحلول ليست في مزيد من القوانين الزجرية، بل في بناء منظومة أكثر عدالة، تتعامل مع الواقع بدلًا من الإنكار. توفير توعية حقيقية عن المسؤولية الجنسية، دعم الأمهات العازبات بدلًا من معاقبتهن، تقنين الإجهاض في حالات الضرورة، وإنشاء دور رعاية حقيقية للأطفال المتخلى عنهم، كلها خطوات ضرورية.
ليظل رمي الأجنة في القمامة ليس مجرد جريمة قتل، إنه انعكاس لحالة مجتمع مأزوم، لا يعرف كيف يتعامل مع أخطائه، فيدفنها في العتمة. لكنه، مهما حاول، لا يستطيع أن يمنع رائحة الموت من التسرب، ولا يمكنه الهروب من حقيقة أن الحل ليس في العقاب، بل في إصلاح جذور المشكلة.
تعليقات ( 0 )