مع الحدث لحبيب مسكر
أكد جلالة الملك محمد السادس، في خطابه الأخير، على ضرورة إحداث تحول عميق في مقاربة التنمية، يرتكز على التأهيل الشامل للمجالات الترابية وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية، بما يضمن استفادة جميع المواطنين من ثمار التقدم دون تمييز أو إقصاء. وهي رؤية تستجيب لتطلعات المغاربة نحو عدالة مجالية حقيقية، تقوم على التضامن والتكامل بين مختلف الجهات في إطار الجهوية المتقدمة.
غير أن التشخيص الواقعي يكشف استمرار تفاوتات إقليمية حادة؛ إذ إن ثلاث جهات فقط من أصل اثنتي عشرة جهة تساهم بما يقارب 60 في المئة من الثروة الوطنية، بينما يبقى معدل البطالة مرتفعا ومختلفا من منطقة لأخرى. وهذا ما يجعل اقتصادنا، رغم ما يخلقه من ثروة نسبية، عاجزا عن توزيعها بشكل عادل، وهو ما يشكل أحد أبرز العوائق الهيكلية أمام النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية.
كما أن الدولة، عبر القطاع العام، تظل المستثمر الرئيسي في معظم الأوراش، في حين يبقى القطاع الخاص – المحلي والأجنبي – مترددا، وهو ما يطرح أسئلة حول أسباب هذا “الخجل الاستثماري”. ولعل أبرز هذه الأسباب تكمن في ثغرات القضاء وقانون الأعمال، وضعف الشفافية، وغياب تكافؤ الفرص والمحاسبة، إضافة إلى تضارب المصالح واستمرار هيمنة الاحتكارات.
ولمواجهة هذه التحديات، تبدو الحاجة ماسة إلى إصلاحات جريئة تعزز الشفافية، وتكرس مبدأ تكافؤ الفرص، وتدعم الرقابة الفعالة، بما يرسخ الثقة في المؤسسات ويجعل من المغرب وجهة جاذبة للاستثمار.
في هذا السياق، يمكن أن يشكل الجيل الجديد من مخططات التنمية الترابية رافعة أساسية، إذا ما استند إلى مقترحات عملية واضحة، من أبرزها:
دعم التشغيل عبر تثمين المؤهلات الاقتصادية الجهوية وتوفير مناخ محفز للمبادرة المحلية والاستثمار.
تقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية، خصوصا في مجالي التعليم والصحة، باعتبارهما ركيزتين لتحقيق العدالة المجالية وصون كرامة المواطن.
اعتماد تدبير استباقي ومستدام للموارد المائية لمواجهة تحديات الإجهاد المائي وتغير المناخ.
إطلاق مشاريع للتأهيل الترابي المندمج، في انسجام مع الأوراش الوطنية الكبرى.
ولضمان فعالية هذه المخططات، يبرز دور الفاعل الترابي باعتباره مهندس التنمية المحلية ووسيطا أساسيا بين الرؤية الوطنية وانتظارات الساكنة، من خلال ابتكار حلول واقعية قائمة على التشاور والتنسيق. وفي المقابل، يظل الإعلام شريكا لا غنى عنه في مواكبة هذا الورش، سواء عبر شرح مضامين البرامج للمواطنين، أو تعزيز المشاركة والرقابة المجتمعية، أو إبراز النماذج الناجحة والتجارب المبتكرة.
إن الجمع بين الرؤية الملكية والتشخيص الواقعي، وتفعيل أدوار الفاعلين الترابيين والإعلاميين، هو السبيل الأمثل لنجاح الجيل الجديد من مخططات التنمية الترابية، وبناء مغرب متوازن يضمن العدالة المجالية، ويمنح لكل مواطنيه فرصا متكافئة في التنمية والعيش الكريم.
تعليقات ( 0 )