زمن التضليل

زمن التضليل… حين تصبح الحقيقة ضحية النقرات

هند بومديان

 

زمن التضليل.. حين تصبح الحقيقة ضحية النقرات..

 

في زمن الانفجار المعلوماتي، لم يعد الوصول إلى المعلومة رفاهية، بل أصبح في متناول الجميع بضغطة زر. ومع هذا التدفق الهائل للأخبار، تراجعت الحقيقة خطوات إلى الوراء، وفسحت المجال أمام سيل جارف من الأكاذيب، وأنصاف الحقائق، والتأويلات المغرضة.

لم تعد الأخبار الكاذبة مجرد زلات فردية أو شائعات محلية تُروى في المقاهي وأحاديث الجيران، بل تحولت إلى صناعة متكاملة تُدار بحرفية، وتُسوق بعناوين مثيرة، وتُروّج عبر شبكات التواصل الاجتماعي بشكل أسرع من انتشار الحقيقة ذاتها. صورة مفبركة، فيديو مجتزأ، أو عنوان صادم، كفيل بتحريك الرأي العام، وتوجيهه نحو تصورات مغلوطة، أو حتى خلق فوضى يصعب تداركها.

في المغرب، كما في باقي دول العالم، شهدنا حالات عديدة لأخبار زائفة أشعلت الجدل، وخلقت حالة من الهلع أو التوتر المجتمعي. من شائعات عن اختطاف أطفال، إلى أخبار مزيفة عن غلاء جديد في الأسعار، أو انقطاعات في المواد الأساسية، كلها تنطلق كشرارة في الفضاء الرقمي، لتتحول إلى لهب لا يُطفأ إلا بعد أن يخلف أثره في النفوس.

ما يزيد من خطورة هذا الواقع، هو أن أغلب المستخدمين لا يملكون أدوات التحقق، ولا يتوفرون على الثقافة الإعلامية الكافية لتمييز المعلومة الصحيحة من الزائفة. والأسوأ من ذلك أن الكثيرين باتوا يكتفون بقراءة العناوين فقط، دون التعمق في المحتوى أو البحث عن المصدر.

في هذا السياق، تتعاظم مسؤولية الإعلام المهني، الذي أصبح مطالبًا أكثر من أي وقت مضى بالتحقق، والتدقيق، وتقديم المعلومة الدقيقة بعيدًا عن الإثارة والسبق الكاذب. كما أن المؤسسات التعليمية والتربوية تتحمل جانبًا من المسؤولية، إذ لا بد من إدراج التربية الإعلامية ضمن المناهج، لتكوين أجيال قادرة على مواجهة سيل التضليل الوافد من كل جهة.

الحقيقة لم تعد تنتصر دائمًا، خصوصًا حين تدخل في سباق غير متكافئ مع الكذب الذي يرتدي عباءة الإقناع والسرعة. وفي زمن أصبحت فيه النقرات تحكم جودة المعلومة، بات من الضروري أن نقف جميعًا ضد هذا التيار الجارف، وأن نعيد الاعتبار للعقل، للتحقق، وللأمانة الصحفية.

فالتضليل ليس فقط تهديدًا للمعلومة، بل هو تهديد مباشر لوعي المجتمعات، لاستقرارها، ولقدرتها على اتخاذ قرارات مبنية على الواقع لا على الوهم.

 

كلمات دلالية
شارك المقال
  • تم النسخ
تعليقات ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)